حكاية صورة

حكاية من وحي خيالي تسطر مشاعري إزاء صورة استفزت إنسانيتي. .

في مساء يوم من الأيام قرر الفريق الإعلامي لإحدى المؤسسات الإغاثية الأجنبية القيام بتغطية إعلامية من أجل ثوثيق انجازات تلك المؤسسة في إحدى الدول الفقيره ،، و بينما كانوا يتجولون بالطرقات ملتقطين الصور هنا و هناك استوقفهم منظر طفل بلا قدمين من ذوي الإحتياجات الخاصة ،، أُعْجبِوا بهذا المشهد ورأوا أنه أداة إعلامية جميلة  لإخراج صورة مميزة قد تضج في مواقع التواصل الإجتماعي وقد تحصد جائزة أجمل صورة مع أنها بعيده كل البعد عن الجمال و العفوية ،،
اجتمع أعضاء الفريق و فكروا كيف ستكون؟؟ وجاء القرار أن يقوموا برسم قدمين مزيفتين لهذا الطفل حتى يخيل للمشاهد أنه هو من رسمها تعبيرًا عن حلم يراوده ،، كان قرارًا جيدًا بالفعل فلقد انتشرت هذه الصورة و اجتاحت كافة وسائل التواصل الإجتماعي وحققت نجاحًا باهرًا على المستوى الإعلامي و فشلاً ذريعًا على المستوى الإنساني...
للأسف معظمنا يرى في هذه الصورة دعوة للتفاؤل و الأمل والحلم وعدم اليأس ،، قد يخيل لنا أن ما نراه صحيحًا ولكن في الحقيقة أن كل ما يرى فيها هو قسوة إعلامٍ أخرج صورة على حساب مشاعر طفل ...


محاكمة للذات..


وعلى سبيل أنه تم التقاطها من أجل هدف إنساني كأن تكون وسيلة لإستعطاف أصحاب القلوب الرحيمة حتى يؤمنوا له الرعاية الصحية اللازمة...
لنقف مع أنفسنا وقفة قاضٍ ،،، هل أصبحنا مجتمع بلا عاطفة؟
أو بمعنى آخر هل كان تزييف الواقع ضروريًا لاستثارة مشاعرنا؟  ألم تكن تكفينا الصورة الحقيقة حتى نستشعر تلك المعاناة !
هل أصبحت مشاعرنا قاسية لدرجة أنها لا تشعر بالحقيقة إلا بجرعة دراما مزيفة ؟
والسؤال الأهم .. هل أصبحت عقولنا فارغه؟ أو بالأحرى أين عقولنا؟
ثم ما هذه القلوب التي نملكها ولا تستطيع رؤية الألم إلا عن طريق تجميله بالخيال حتى يتماشى مع إحساسنا المرهف!!

وعلى سبيل السؤال...


هل أثمرت تلك الصورة بالخير على هذا الطفل؟ هل قدمت له يد المساعدة التي كان يستحقها؟
أم أنها أصبحت مجرد أداة نعبر بها عن مشاعرنا!! مجرد صوره نزين بها إنسانيتنا !! أو ربما مجرد برستيج لشخصياتنا الإفتراضية!!

وقفة تأمل..


هل فكرت بلحظة قبل أن تزين شخصيتك الإفتراضية بهذه الصورة .. ماهي المشاعر و الأحاسيس التي راودت هذا الطفل البريء عند إلتقاطها؟
كيف كان يشعر عندما حَمَلوهُ على الجلوس مطأطأ الرأس؟  كيف كان يشعر عندما قام الرسام برسم قدمين حرم منهما بالطبشورة؟ كيف كان يشعر عندما قام الفريق بوضع لمساته الأخيرة على موقع التصوير؟ كيف كان يشعر عندما وضعوا الطبشورة بيده و قالوا له مَثِّل أنك ترسم لنفسك هذا الزيف؟ كيف كان يشعر عندما استهزؤا بأجمل أمنياته حتى صوروها له كزيف طباشير تمحى ولا يمكن تحقيقها؟

لحظة صمت..


وتستمر الحكاية..تشيك..تشيك..تشيك..حتى نجح المصور بالتقاط تُحْفَتَهُم الفنية ..
فتم تحميلها لإحدى برامج التواصل الاجتماعي. . انتشرت.. ثم تداولوها الناس.. فترجموها بأجمل عبارات تحفيز الذات وكأن ذواتهم لا تحفز ولا تتقدم إلا برؤية طفل مهزوم و مكسور أمام بشاعة أحاسيسهم الكاذبة...

النهاية..


وبعد كل هذا هي مجرد صورة .. صورة ضحّت بحلم طفل حتى تستثير أحلامنا .. صورة مع إخراج لا إنساني. .

لفتة..


احذر أن تستهين بمشاعر الآخرين وإياك أن تبني أحلامك على انقاضهم ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجربة أولى للشعر النبطي..

..